أحمد بن علي القلقشندي
469
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
الحمد للَّه مبشّر الصابرين ، وموصّل الأرزاق على يد أصفيائه من العالمين ، ومعيد كلّ وليّ إلى منصبه ولو بعد حين . نحمده على فضله المبين ، ونشكره على أن جعلنا من عباده المؤمنين ، ونشهد أن لا إله إلَّا اللَّه وحده لا شريك له شهادة ندّخرها ليوم الدّين ، ونشهد أنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله الصادق الوعد الأمين ، الذي أرسله بواضح الحجج ومحكم البراهين ، وأنزل عليه كتابا عربيّا مبين ( 1 ) ، صلَّى اللَّه عليه وعلى آله وصحبه الغرّ المحجّلين ، صلاة مستمرّة على ممرّ الأيام والشّهور والسّنين ، وسلَّم تسليما كثيرا . وبعد ، فإنّ أولى من غزّرنا موادّ رفده ، وأجزلنا له حظوظ سعده ، وبلَّغناه من إقبالنا غاية قصده ، وحمدنا تصرّفه من قبل عندما رسم لما جدّد [ من ] ( 2 ) بعده ، وأعدناه إلى رتبة ألفت منه حسن السياسة والتّدبير ، وعرف فيها بالكفاية والصّيانة ويمن التأثير - من له ولسلفه في المباشرات الجليلة يد طولى ، فكان بوظيفته أحقّ وأولى . ولما كان المجلس العالي هو المتّصف بصفات الكمال ، المشكور في سائر الأحوال ، فلذلك رسم بالأمر - أنفذه اللَّه في الآفاق ، وأجراه بصلة الأرزاق - أن يعاد فلان - أدام اللَّه نعمته - إلى نظر الحسبة الشريفة بالمملكة الطَّرابلسيّة على عادته وقاعدته ، مضافا إلى ما بيده من بيت المال المعمور : لأنه الفاضل الذي لا يجارى ، والعالم بأحوال الرّعيّة فلا يناظر في ذلك ولا يمارى ، والفيلسوف الَّذي يظهر زيف كلّ مريب ، والنّحرير ( 3 ) الذي بخبرته يسير كلّ حبيب ولبيب .
--> ( 1 ) كذا بالأصل . وقد خالف قواعد اللغة لضرورة التسجيع . وكان بإمكانه القول : « الكتاب العربيّ المبين » فهي أوضح وأصحّ . ( 2 ) الزيادة يقتضيها السياق . ( 3 ) النّحرير : العالم الحاذق في علمه .